جلال الدين السيوطي
113
الإتقان في علوم القرآن
يقصّ عليهم ، كما رواه الحاكم في مستدركه « 1 » ، فنزلت مبسوطة تامّة ، ليحصل لهم مقصود القصص : من استيعاب القصّة ، وترويح النفس بها ، والإحاطة بطرفيها . وجواب خامس : وهو أقوى ما يجاب به ، أنّ قصص الأنبياء إنما كرّرت ؛ لأنّ المقصود بها إفادة إهلاك من كذبوا رسلهم ، والحاجة داعية إلى ذلك لتكرير تكذيب الكفار لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكلما كذبوا أنزلت قصّة منذرة بحلول العذاب ، كما حلّ على المكذبين ، ولهذا قال تعالى في آيات : فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ [ الأنفال : 38 ] ، أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ [ الأنعام : 6 ] ، وقصّة يوسف لم يقصد منها ذلك . وبهذا - أيضا - يحصل الجواب عن حكمة عدم تكرير قصة أصحاب الكهف ، وقصة ذي القرنين ، وقصّة موسى مع الخضر ، وقصّة الذّبيح . فإن قلت : قد تكررت قصة ولادة يحيى وولادة عيسى مرتين ، وليست من قبيل ما ذكرت . قلت : الأولى : في سورة كهيعص ( 1 ) ، وهي مكية ، أنزلت خطابا لأهل مكة . والثانية : في سورة آل عمران ، وهي مدنية ، أنزلت خطابا لليهود ولنصارى نجران حين قدموا ، ولهذا اتصل بها ذكر المحاجّة والمباهلة . النوع الخامس : الصفة ، وترد لأسباب « 2 » : أحدها : التخصيص في النكرة : نحو فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [ النساء : 92 ] . الثاني : التوضيح في المعرفة : أي : زيادة البيان ، نحو : وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ [ الأعراف : 158 ] « 3 » . الثالث : المدح والثناء : ومنه صفات اللّه تعالى ، نحو : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 1 ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 3 ) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [ الفاتحة : 1 - 4 ] ، هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ [ الحشر : 24 ] . ومنه : يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا [ المائدة : 44 ] ، فهذا الوصف للمدح ، وإظهار شرف الإسلام ، والتعريض باليهود وأنهم بعداء عن ملة الإسلام الذي هو دين
--> ( 1 ) المستدرك 2 / 345 وصححه ، ووافقه الذهبي وسنده صحيح ، وقد سبق قريبا ( 2 ) انظر البرهان 2 / 422 - 429 . ( 3 ) انظر البرهان 2 / 424 .